الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

179

شرح ديوان ابن الفارض

( ن ) : المعنى هنا ببذل النفس الإحساس والذوق والوجدان . وقوله فيها ، أي في نعم ، كناية عن الحضرة الاسمائية يعني في محبتها . وقوله أخا الهوى ، أي يا من هو أخي في المحبة الإلهية . وقوله فإن قبلتها ، أي إن قبلت نفسك نعم المحبوبة المذكورة . وقوله منك بأن تبدلت نفسك بتجلي ربك عليك بجميع أفعالك ، فتصير من الأبدال الذين تبدلت نفوسهم بتجليات ربهم . وهذا معنى القبول من الحضرة الإلهية الاسمائية المكنى عنها بنعم المحبوبة المشهورة . وقوله يا حبذا ، أي يا أخا الهوى حبذا . وقوله البذل اللام للعهد ، أي البذل المذكور ، وهو بذل النفس في هوى المحبوبة المذكورة . وقوله فمن لم يجد إلى آخر البيت ، يعني أن المحبة الإلهية تقتضي الخروج عن كل ما سواه تعالى من الدنيا والآخرة ، والزهد في جميع ذلك بحيث لا يبقى قلبه متعلقا بشيء من ذلك أصلا ، وهذا مقام السالكين المحجوبين عنه تعالى بأنفسهم فلا يعتبر ذلك منهم في طريق المحققين حتى يخرجوا عن أنفسهم أيضا ويزهدوا فينكشف حجابها عنه تعالى . اه . ولولا مراعاة الصّيانة غيرة ولو كثروا أهل الصّبابة أو قلّوا لقلت لعشّاق الملاحة أقبلوا إليها على رأيي وعن غيرها ولوا وإن ذكرت يوما فخرّوا لذكرها سجودا وإن لاحت إلى وجهها صلّوا [ المعنى ] اعلم أن البيت الأول يصحفه الرواة كثيرا ، فيقولون ولولا مراعاة الصبابة بباءين ، ويقولون وإن كثروا أهل الصبابة كالأولى على أنهما صبابة بمعنى الشوق أو رقة الشوق . والصواب أن الأولى الصيانة بصاد مهملة وياء مثناة من أسفل على أنها مصدر بمعنى الحفظ من صان سرّه يصونه ، أي يحفظه ولم يظهره . وأن الثانية صبابة بالباء الموحدة على أنها الشوق أو رقته ، أي ولولا مراعاتي لمقام الصيانة الذي به يؤدّى حقيقة الأمانة لأظهرت الحال ، وأوضحت في العشق المقال ، وقلت لعشاق الملاحة أقبلوا إلى الحبيبة بإعلان الإباحة ، واتركوا ما سواها ، وأعرضوا عن غير هواها ، وقلت للعشاق أيضا إذا ما سمعتم ذكر سلمى ، فاسجدوا تعظيما لوصفها الأسمى ، وإن ظهر وجهها للناظرين ، فكونوا إليه من المصلين ، ولكني تركت ذلك المقال سترا لما عندي من الحال ، فإن صيانة الهوى مطلوبة ، وإذاعته غير مرغوبة ، وكيف يذيع الغرام من أخفته بواعث السقام ، وأخذت عليه العهود بشهادة الشهود ، أن يكتم أحواله وأن يخفي أقواله ، مخافة الافتضاح ، على حفظ حمى المحبة أن يستباح . وما أحسن هذين البيتين لحضرة القطب الأمجد سيدي العارف باللّه تعالى